الثلاثاء، 10 مارس، 2009

ضد "الانوثة سمعاً وطاعة"


السبت 07 آذار 2009 - السنة 76 - العدد 23632

ضد "الانوثة سمعاً وطاعة"

في العام 1999 كان شعار يوم المرأة العالمي "عالم خال من العنف ضد المرأة". في العام 2009 لا يزال الشعار "وضع حد للعنف ضد النساء والبنات". لا يثير التركيز هنا اي دهشة لحقيقة ان معظم ضحايا العنف بأشكاله المختلفة هم نساء، العنف بمفهومه الاوسع شاملا العنف التسلطي، المنزلي، المعيشي، المَرَضي وغيره. انموذج يكاد يختزل كل المجتمعات، ولا يشذّ عنه لبنان – وإن تباينت الارقام والنسب – والذي تظهر فيه دراسات واحصاءات تكشف مدى انتشار هذه الآفة (تشير احدى الدراسات الحديثة جدا الى ان 40% من العينة المستجوبة صرّحت بوجود او مشاهد عنف منزلي)، وهو ما تعمل على مكافحته بعض الجمعيات الاهلية في سياق حملاتها ونشاطاتها لاستصدار تشريعات ضد العنف المنزلي.
وبالتزامن، وفي خطو ة لافتة ومفاجئة، تضمّن البيان الوزاري للحكومة الحالية لغة جديدة وقوية تجاه موضوع العنف ضد المرأة لجهة "... تنفيذ التعهدات التي التزم بها لبنان والواردة في الاتفاقيات لاسيما اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة والتي تتطلب تشريعات وتدابير لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة وللتصدي لكل اشكال العنف ضد المرأة والفتاة".
بالرغم من تركيز يوم المرأة العالمي لهذا العام على مسألة الحد من العنف، الا انه يتعداه الى مسائل بالاهمية نفسها ترتد عواقبها على المرأة عنفا ومرضا وتعويقا لسلامتها ودورها، كوفيات ومراضة الامومة، والامراض السرطانية والصحة الجنسية والنفسية و نظام الخدمات القائم، والتي تأتي في صلب الصحة الانجابية.
منذ مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية، 1994، شكلت الصحة الانجابية اطارا شاملا لمقاربة صحة المرأة (خصوصا) والرجل، يقوم بالدرجة الاولى على نقلة نوعية من الماكرو التقليدي الى المايكرو التفصيلي لصحة المرأة خلال مراحل حياتها ضمن المحددات الاجتماعية والثقافية والتنموية، مقدما للمرأة خيارات وحقوقاً وقدرات لم تتوافر لها من قبل. تبنّى لبنان -كغيره من دول العالم – مقاربة الصحة الانجابية بدعم صندوق الامم المتحدة للسكان وغيره من المنظمات الدولية، ونُفّذ عدداً من الاجراءات والنشاطات التي ساهمت بدرجات مختلفة في تعزيز الصحة الانجابية (المؤشرات، توسيع الخدمات، بناء القدرات) ولكننا لسنا بصدد تقويم النتائج، بل بصدد سبر مفهوم تماهي التسلط على المرأة مع طريقة تعاطيها مع صحتها والخدمات المتعلقة بها والتي يجب ان تضاف الى عناوين هذا اليوم.
تشير دراسة صادرة عن كلية العلوم الصحية في الجامعة الاميركية في بيروت (2008) ان نسبة مستعملي خدمات الصحة الانجابية من النساء لا يتعدى 25 – 30% وغالبا خلال فترة الحمل او ما قبله او عند حدة الالم. يترك ذلك القسم الاكبر منهن دون رعاية منتظمة، عاجزات عن تقصي او استكشاف مبكر لأمراض سرطانية ومزمنة، ودون وقاية تحمي من المراضة وحدة الازمات الصحية.
قد يكون من الفطنة التمعن في ادراك المرأة لصحتها الانجابية وتقديرها لموقعه او تموضعه في حياتها العامة واليومية حيث غالبا ما تُحجب الصحة الانجابية بأقنعة المسائل الاقتصادية والمعيشية والأسرية، ويتغير فهم محتواها وأهميتها بتغير مراحل حياة المرأة (دراسة من المصدر نفسه 2005). هذا التعثر في سياق ادماج الصحة الانجابية كمفهوم "اصلاحي" وخدماتي والتفسير الانتقائي لمحتواه سيوديان لاحقاً الى عدم اكتراث عند المرأة (للوقاية والتثقيف الصحي)، وتدني استعمال الخدمات كسلوك "اهمالي"، ما خلا المتعلق منها بالجانب الذي يهم الرجل والاسرة والعائلة الاكبر حيث "قيمة" المرأة الخصوبية والانجابية (خصوصا انجاب الذكور) على المحك.
عليه يمكن الافتراض هنا ان درجة ومدى استعمال الخدمات يبقى محددا بالسماح الذكوري والعائلي (تنخفض حتى متابعة الحمل الثالث او الرابع المتكرر اناثا على سبيل المثال) بالرغم من تمكين المرأة لناحية صحتها والخدمات المتاحة ضمن مفهوم الصحة الانجابية. كما يبقى استعمال الخدمات متأثرا ايضا بعوامل اضافية مادية واجتماعية واستهلاكية (!) لجهة مكان الخدمة ونوعيتها واحترامها خصوصيات المرأة وكرامتها، كما يبقى الوصول الى بعضها (جراحات التجميل – التنحيف – الترشيق والاعضاء التناسلية) حكرا على فئات محددة تسمح امكاناتها باستهلاك اعمال طبية قد تكون في بعض الاحيان في غير محلها او دون حاجة طبية.
يلاحظ هنا الانتشار الواسع لأعمال طبية لا تخضع كفاية لنقاش مستفيض مع المرأة حول رغباتها الحقيقية في هذه الاعمال من جهة، وضغط المجتمع الاستهلاكي والاعلاني على تنميط صورة المرأة من جهة ثانية (قروض التجميل مثلا). وصل الامر الى تقديم اعمال طبية تسوّق على انها تعزز الجنسانية، ناكرة على المرأة حقيقة أن الجنسانية والصحة الجنسية ترتبط بعملية متداخلة ومعقدة بين الدماغ والجوانب النفسية والاجتماعية، وليس قطعا بتجميل او ترميم الاعضاء التناسلية. وقد اشارت الكلية الاميركية لأطباء النساء والولادة الى عدم وجود دواعٍ طبية لاجراء مثل هذه الاعمال التي تبقى غير مأمونة وغير فعالة (2007).
هنا ايضا يكون الدافع لاستعمال الخدمات "ذكورياً" او "مجتمعيا" تذهب المرأة اليها لتحصيل نتائج يحتاج اليها الآخرون. فليس من الصحة بشيء ان تقونن خدمات الصحة واستعمالاتها من قبل المرأة لأغراض تذكر دائما بانصياع المرأة وخضوعها.
يجب الدفع في اتجاه تبني معايير مختلفة قائمة على الصحة والسلامة والاخلاقيات العامة التي تساوي بين حقوق المرأة والرجل. تقول الكاتبة النمسوية الفريدا جيلينك والحائزة نوبل للاداب 2004 "العلاقة بين الرجل والمرأة هيغلية كتلك التي بين الرجل والعبد. فطالما الرجال قادرون على زيادة ورفع قيمتهم الجنسية من خلال العمل والشهرة والثروة، بينما النساء يكن قويات من خلال اجسادهن وجمالهن وشبابهن، لا شيء سوف يتغير. مرت عشر سنوات على عنوان منع العنف والتمييز، وستمر عشرات أُخر، وسيبقى العنف مسلطا على النساء والبنات ما بقيت "الذكورة" تسلطا و"الانوثة" سمعاً وطاعة، وكل عام والعالم مكان افضل للنساء (وللرجال).

فيصل القاق
(كلية العلوم الصحية – الجامعة الاميركية)

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=kadaya&type=kadaya&day=Sat

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق